انتحال "الجزء الثانى"

 انتحال "الجزء الثانى"

نوفيلا قصيرة بقلم جمال عسكر

الجزء الاول هنا

قصة انتحال الجزء الثانى


✨ الفصل الخامس — “العين الثالثة” 


لم يحرّك سليم إصبعه بعد ظهور الإشعار الأخير:

“Do not close this session.”

بقي ضوء العبارة يلمع في الظلام، كأنه عين مفتوحة لا ترمش.

ومع كل خفقة منها، كان يشعر أن شيئًا مجهولًا يتربص به من وراء الشاشة،

شيئًا لا يخص الشركة… ولا يخصه هو… ولا حتى Admin2.


ظلّ جالسًا، لا يجرؤ على لمس الفأرة، ولا على إغلاق الغطاء.

كان الخوف قد فقد صوته، لكن أثره بقي يسري في جسده كتيار بارد،

حتى تقلّصت بشرة ذراعيه كمن لامسته ريح جاءت من مكان لا يُرى.


لم يعرف كم مضى من الوقت.

ثوانٍ؟ دقائق؟

كل ما يعرفه أن الضوء الأزرق بدأ ينسحب ببطء من شاشة اللابتوب،

كأنها تفقد نبضها… ثم انطفأت فجأة.


لم يلمسها.

انطفأت وحدها.


جلس في الظلام، يسمع أنفاسه تتلاطم، وتتحرك داخله موجة أسئلة لا تجد شاطئًا.


وفي الخامسة فجرًا — حين بدأ خيط رمادي يتسلل عبر الستارة —

اهتزّ هاتفه، اهتزازًا خافتًا لكنه عنيدًا، كأنه أراد أن يكون الامتداد الطبيعي لذلك الإشعار الأخير على الشاشة.


فتح الهاتف بتردد.

لم يكن الإشعار من تطبيق حديث، بل من خدمة بريد قديم لم يستخدمها منذ سنته الأولى في الشركة.

عنوان الرسالة:


“لستَ وحدك في النظام.”


لم يكن هذا عنوانًا عاديًا.

كان كأنه يُكمّل الجملة التي لم تُنطق في الليلة السابقة.


فتح الرسالة.


ظهر أمامه ملف واحد، صورة شاشة قديمة، رمادية الحواف، مأخوذة من داخل النظام، لكنها ليست من حسابه… ولا من حساب Admin2.


زاوية الشاشة كان فيها اسم غريب:

RootGhost

صلاحياته:

Access: Above Admin2


لم يشعر سليم بألم أو خوف…

بل بشيء يشبه سقوط الحقيقة دفعة واحدة فوق صدره.

هو لم يكن يواجه شخصًا واحدًا يسرق اسمه،

ولا مديرًا يريد التخلص منه،

ولا “مشرفًا” يتلاعب من خلف الستار.


بل كان هناك عين ثالثة…

أقدم من الجميع.

وأعلى من الجميع.

تراقبهم… كأنها الشبح الذي يتجوّل بين الملفات دون أن يراه أحد.


تحت الصورة، وُجد سطر واحد فقط، مكتوب بخطّ مختصر:


“ما تراه ليس البداية…

احتفظ بهذه.”


لا اسم.

لا تاريخ إرسال.

لا توقيع.


وكأن الرسالة خرجت من زمن آخر، أو من مكان لا يخضع لسجلات الشركة.


جلس سليم على السرير، يحدّق في الهاتف،

وتنفتح في داخله فجوة أكبر من الخوف… فجوة وعي.


كان يظن أنه ضحية… ثم صار يظن أنه جزء من لعبة.

لكن الآن…

بات يدرك أن هناك من كان يرى كل شيء،

ويراقب الكل،

ويكتب السيناريو من مكان أعلى.


فهم فجأة أن ما حدث في الليلة الماضية…

لم يكن مواجهة ثنائية.

ولا حتى صراعًا بين طرفين.


بل كان مثلثًا معتمًا:

هو…

وAdmin2…

وRootGhost.


ثلاث طبقات فوق بعضها،

كل طبقة تظن أنها تعرف أكثر من التي تحتها…

إلا هو.

كان أعمى الوسط.


ارتفع الصباح، ووقفت الشمس عند حافة النافذة،

لكن النور كان أبرد من الليل.


وبينما كان يحدّق في الشاشة السوداء للهاتف،

طرق الباب بقوة.


لم ينتظر.

لم يتوقع.

لكنّه كان يعلم — قبل أن يفتحه —

أن ما سيبدأ الآن

ليس استجوابًا…

ولا محاسبة…

بل فصلًا جديدًا من المتاهة.


متاهة لها عين ثالثة.

عين لا تغفو.

ولا تُعرّف نفسها.

ولا تظهر إلا حين يشتد الظلام.


✨ المشهد السادس — “تحت الضوء… ظلّ آخر”


لم ينسَ سليم ذلك الوميض الأخير قبل أن تنطفئ شاشة اللابتوب.

وميضٌ لم يكن إشعارًا… بل كأن عينًا قد أُغلقت عمدًا أمامه،

لتعود وتفتَح نفسها من مكان آخر.


حين طرق الباب في الصباح،

لم يشعر سليم بأنه يُستَدعى للتحقيق،

بل كأن الباب يُعاد فتحه ليُكمِل الليل ما بدأه عند الفجر.


دخل الرجلان بوجوه متعبة،

وجلسا بصمتٍ يشبه وقار الشاهد لا غضب المحقق.

لم يسألاه شيئًا.

وضع أحدهما حاسوبًا نحيلًا على الطاولة،

وضغط زرًا،

فانسكب الضوء الأزرق على الغرفة… الضوء ذاته الذي خاف منه الليل السابق.


ظهر سجل دخول طويل، يهبط كخيطٍ لا نهاية له.

أسماء… تواريخ… أماكن…

لكن السطر الذي توقّف عنده الضابط كان واحدًا:

RootGhost — Active.


قال الضابط بصوتٍ لا يريد أن يكون واثقًا:

«الليلة دي… كان موجود.

وكان بيتحرّك.»


لم يجب سليم.

كان في داخله صوت آخر،

أعمق من الخوف،

وأرَقّ من الذنب،

وأقرب إلى نبضٍ يُحاول أن يتذكّر شيئًا منسيًّا.


مرّر الضابط إصبعه على الشاشة.

فانفتح ملف غامض،

بلا تاريخ،

بلا مالك،

يحمل اسمًا بسيطًا:


“Observation – Zero.”


فتح الملف.

فانفجرت وسط الصفحة صورة قديمة…

قديمة جدًا.

صورة مأخوذة من داخل النظام قبل أن يُوظَّف سليم.

لكن الغريب…

ليس تاريخها،

ولا محتويها،

بل السطر الذي ظهر تحتها:


Selected: S. Saleem

مختار: س. سليـم.


أحسّ سليم بثقلٍ يجذبه من صدره إلى الخلف،

كأن الحقيقة ليست شيئًا يراه…

بل حفرة يهبط فيها ببطء.


هو لم يُتهم ظلمًا فقط.

بل وُضع في الطريق من البداية دون أن يعرف.

كُتِب اسمه قبل أن يدخل المكتب الأول…

قبل أوّل يوم…

وقبل أوّل كلمة سر.


قال الضابط، بصوتٍ أقرب للهمس منه للسؤال:

«حدّ اختارك.

قبل ما حدّ يشوفك.»


تلاشت الجملة في صدر سليم،

وانفتحت داخله مساحة صامتة،

مساحة تشبه دهشة من يكتشف أن حياته كانت مجرّد ملحوظة في ملفّ لا يعرفه.


انفتح الهاتف فجأة.

رسالة جديدة، بلا عنوان، بلا مرسل، بلا توقيع.

مجرد جملة تتكرّر، كأنها تتنفّس:


“ما زلتُ هنا.”


لم يعرف إن كان يشعر بالخطر…

أم باليقين…

أم بأن هناك شيئًا ما ينتظر الجملة التالية.


رفع الضابط رأسه وسأله:

«لسه معانا، يا سليم؟»


نظر سليم إليه،

ثم إلى الحاسوب،

ثم إلى الرسالة التي تتوهج.

وكان في عينيه شيء لم يكن فيهما من قبل…

شيء لا هو انهيار…

ولا هو شجاعة…

بل شيء ثالث…

يشبه التسليم بأن الحقيقة أوسع من أن تُحكى… وأعمق من أن تُحَلّ.


قال بهدوء يمشي على حافة الذعر:

«أنا… جوا اللعبة من زمان.

هكمل.»


لم يبتسم الرجلان.

لم يعلّقا.

كان الصمت وحده يفهم.


وحين خرج سليم من الغرفة،

لم يشعر بأنه خرج إلى ممرّ عادي…

بل كأنه خرج إلى شبكة أخرى،

ممدودة بين الظلال،

مكانها لا يُرى…

لكن أثرها كان يعبر جلده،

يمرّ فوقه كما تمرّ ريح لا يعرف من أين جاءت.


توقّف عند النافذة الصغيرة آخر الممر،

نظر إلى الضوء الساقط…

وشعر — بوضوح مُخيف —

أن خلف الضوء ظلًّا آخر…

ظلًّا لا يُشبهه…

ولا يُشبه RootGhost…

بل يُشبه شيئًا كان ينظر إليه منذ البداية.


رنّ الهاتف مرة أخرى.

نغمة قصيرة…

مقطوعة…

إشارة لا تكمل نفسها.


فتح الرسالة.


سطر واحد.

هذه المرة بلا حروف كثيرة…

لكن بحرف واحد

يكفي ليفتح بابًا لا يُغلق:


“0”


الصفر.


البداية.

النقطة التي تبدأ منها كل خوارزمية…

وتنتهي إليها كل الدوائر.


أغلق سليم الهاتف ببطء…

ومشى.


لم يعرف إلى أين.

لكن الخطوة الأولى كانت واضحة:


هو الآن… ليس عنصرًا في ملف.

ولا ضحية في قضية.

ولا رقمًا في نظام.


لقد صار جزءًا من “الصفر”…

من أصل اللعبة.


ومن يعرف الأصل…

لا يعود كما كان.

 “حين يعود الصفر إلى مكانه”


في الأسابيع التالية، لم يحدّث سليم أحدًا عمّا رآه،

ولا عن تلك الرسائل التي كانت تظهر وتختفي كأن بين وصولها ورحيلها نفسًا واحدًا.

لم يحاول ملاحقة “RootGhost”…

ولا أراد أن يعرف اسمه الحقيقي،

ولا من أين بدأ…

ولا لماذا اختاره هو دون سواه.


اكتفى بأن أغلق كل الأبواب التي تُفتح بغير إذنه،

وتعلّم أن الحقيقة — مثل الأنظمة المعقّدة — لا تُفهم دفعة واحدة،

بل تُفكّ عقدها ببطء… عقدة بعد عقدة،

حتى لا يبقى إلا خيط واحد…

خيط لا ينقطع.


وفي مساءٍ هادئ، جلس أمام نافذته،

ينظر إلى أضواء المدينة التي تلمع تحت المطر.

لم يفكر في النظام، ولا في الشركة، ولا في الظلم الأول.

فهو يعرف الآن أن ما حدث له

لم يكن حادثة…

ولا مؤامرة…

بل مرحلة من شيء أكبر، لا يُسمّى، ولا يُمسَك،

يمرّ بين الناس كما تمرّ الريح في شقوق البيوت.


ابتسم ابتسامة صغيرة،

ثم أغلق هاتفه،

ووضعه على الطاولة،

وقال في سرّه:


«لكل نظام قلبٌ خفيّ…

ولكل قلبٍ خفيّ عينٌ ترى ما لا نراه.

وما دمتُ قد رأيتها مرة…

فلن أخاف منها ثانية.»


ثم نهض،

وأطفأ الضوء،

وترك الغرفة تستعيد صمتها.


وهكذا…

عادت الدائرة إلى الصفر،

وعاد الصفر إلى مكانه،

وبقي سليم يمشي في العالم

وقد عرف شيئًا لا يحتاج أن يقوله لأحد.


شيئًا يكفي وحده…

لتنتهي الحكاية.


                                                                    ⏠⏡⏠⏡

السراد الأدبى. الكاتب جمال عسكر

انتحال

انتحال

نوفيلا قصيرة بقلم جمال عسكر

مقدمة:

في هذه القصة القصيرة التي تنتمي إلى أدب الإثارة النفسية والغموض التقني، يأخذك السرّاد إلى منطقة معتمة من الروح؛ حيث يتقاطع الظلم القديم مع غواية الانتقام، وينفتح بابٌ غير متوقع على عالمٍ تتداخل فيه الهويّة، والذاكرة، واليد الخفية التي تعبث في الخلفية.


هذه ليست مجرد حكاية عن رجل مظلوم…

بل رحلة داخل المتاهة التي يصنعها الشكّ حين يتسلل إلى قلب الإنسان،

ورصدٌ دقيق لتلك اللحظة التي ينطفئ فيها الاسم،

ويولد من رماده ظلّ آخر… أكثر خطورة، وأكثر قدرة على هدم كل شيء.


قصة “انتحال” ليست قراءة عابرة؛

بل تجربة مكثّفة تُمسك بالقارئ من الصفحة الأولى،

وتسحبه إلى العتبة بين الخير والشر،

حيث يتحوّل الدخول إلى النظام…

إلى دخولٍ في أعمق طبقات النفس.


اقرأها ببطء…

وتذكّر أن الحقيقة، مثل الشاشة التي تتوهّج في العتمة،

لا تظهر دفعة واحدة…

بل تتكشّف على مراحل،

وكل مرحلة أشدّ ظلامًا من التي قبلها.


انتحال - نوفيلا قصيرة بقلم جمال عسكر


القصة:


كانت القاهرة تلك الليلة تشبه صدرًا مكتومًا، لا يقدر على الزفير، والهواء فوق البلكونات يهبّ ببطء كأنه يمرّ على جراح المدينة واحدًا واحدًا.

وفي شقة ضيقة في الطابق السابع، جلس “سليم” أمام حاسوبه، يُشعل سيجارة وينفخ دخانًا يتكسّر في الضوء الأزرق المنبعث من الشاشة.

لم يكن الليل طويلًا… بل كان هو الطويل، مُثقَلاً بذاكرته كأنها حقيبةٌ لم تُفتح منذ عام.


لم يقصد أن يعود.

هذه العودة كانت أشبه بانزلاق غير محسوب، خطوة تاهت عن طريقها، فسقطت على بابٍ ظن أنه أغلقه منذ زمن.

لكن الأبواب التي تُغلق غصبًا لا تنسى أصحابها.


رفع رأسه قليلًا، تحدّث إلى نفسه بصوتٍ خافت، كأنه يبرر خطيئة لم يرتكبها بعد:

«هو أنا كنت عامل لهم إيه؟… كنت بشيل الشغل على كتافي، وبالآخر قالوا حرامي.»


كانت ذكرى يوم الفصل تمرّ أمامه كصفحة فيديو لا يريد مشاهدتها، ومع ذلك لا يستطيع إيقافها؛

يرى نفسه واقفًا في مكتب المدير، يسمع الاتهام يهبط فوق رأسه كحجر: سرقة… تلاعب… خيانة ثقة.

ويرى نفسه يرفع صوته بارتباك:

«يا باشا أنا بشيل السيستم كله لوحدي… ازّاي أمد إيدي؟!»

لكنه لم يُسمَع.

لم يره أحد.

مجرد موظف سقط من الحسابات، وخرج كمن يُطرد من بيتٍ دخله ضيفًا ثقيلًا.


وبعد أن خرج، لم يتركوه يلتئم.

التهديدات، اللمز، المكالمات التي تُغلق في وجهه، السير الذاتية التي تُرمى جانبًا حين يعرف أصحاب العمل اسمه.

ومع كل رفض، كان شيء في داخله يبهت، كضوء يسقط عليه الغبار.


شدّ السيجارة مرة أخرى، ثم أطفأها بتوتر.

اقترب من لوحة المفاتيح، لم يفكر كثيرًا… أو لعل التفكير كان كثيرًا جدًا حتى ضاع.

كتب اسمه…

ثم كلمة السر.

اليد التي كتبت لم تكن ثابتة، كأن فيها خيانةً للمبادئ التي عاش عليها.


تردّد.

ثم ضغط.


وهنا تغيّر الهواء في الغرفة.

لم يكن مجرد تسجيل دخول… كان بابًا يُفتح على ماضٍ لم يمت.


انطلقت الواجهة كما يعرفها.

كل القوائم، كل الأذونات، كل المسارات والملفات التي كان يحفظها عن ظهر قلب.

الدهشة ضربت صدره، وأحسّ أن وقعها يسمع.

هل من المعقول؟

هل هم بهذه الغفلة؟

أم أن القدر نفسه يختبره؟


اقترب بوجهه من الشاشة، بعينين تسأل أكثر مما ترى.

ما زال مستخدمًا فعّالًا، كأنه لم يُفصل يومًا.


وبينما كان يحاول أن يلتقط أنفاسه، صعد إشعار صغير في أعلى الشاشة، كأنه شرارة سقطت على برميل:


> “معاملة مالية ضخمة قيد التنفيذ.”


ظلّ ينظر إليها.

تحرّكت في داخله طبقات من المشاعر لم يظن أنها ما زالت حيّة.

الخوف… الغضب… الإغواء… والظلم الذي تجمّد في صدره كحجر.


همس، والكلمة تخرج من حلقه كأنها ليست منه:

«هي فرصة… ولا فخ؟»


ثم جاء الصوت الآخر، داخله، الصوت الذي يشبه يدًا على كتفه:

«يا سليم… ده طريق لو مشيت فيه، مش هتعرف ترجع.»


لكن الرسالة تومض.

والأرقام تتحرك.

والضغط على زر واحد يمكنه أن يُعيد إليه شيئًا من حقه… أو هكذا يقنع نفسه.


وفي تلك اللحظة — لحظة بين نفَسَين — شعر سليم كأن هناك شيئًا خلفه يراقبه…

ليس إنسانًا… إنما قدرًا يكتب، وينتظر منه كلمة ليخطّ السطر التالي.


كان يعرف — من قلبه — أن النهاية لن تكون كما يتخيلها.

وأن الطريق الذي انفتح أمامه الآن… ليس طريقًا يعود منه الجميع.



 "ظل الاتهام"


لم يكن سليم ينظر إلى الشاشة فقط، كان ينظر إلى نفسه كما تركها آخر مرة… مكسورًا، يتدلّى من روحه خيطٌ رفيع من كرامة جريحة.

ومع كل سطر يظهر أمامه في النظام، كانت ذاكرة ذلك اليوم تنفلت، كأن الظلام ذاته يدفعها إلى السطح.


لم يرد أن يتذكر، لكنه لم يملك أن ينسى.



💮💮💮


في صباح ذلك اليوم، كان يمسك كوب القهوة بيده اليمنى، ويعدّل نظارته بيده اليسرى، كعادته حين يستعد ليوم طويل من إصلاح العطب في سيرفرات الشركة.

لكن الغريب… أن أحدًا لم ينظر إليه نظرة طبيعية.

العيون كانت تتحاشاه، ثم تتصادم به سريعًا، كما لو كان دخانًا يزعجهم.


وحين وصل إلى مكتب المدير، وجد الباب مفتوحًا أكثر مما ينبغي… والوجوه باردة أكثر مما يستطيع احتمالُه.


قال المدير، بصوتٍ لم يرَ فيه يومًا سوى الغطرسة:

«اتفضل يا سليم… عندنا مشكلة كبيرة.»


جلس، ثم همس بارتباك:

«خير يا باشا؟»


فجاءت الجملة التي هدمت عامًا كاملًا من الجهد، في ثوانٍ:

«في معاملات مالية متحوّلة غلط… وعندنا دليل إنك أنت اللي لعبت فيها.»


شعر وقتها أن الأرض انكمشت تحت قدميه.

فتح فمه لينطق، لكن الكلمات لم تخرج.

كيف يوصل الحقيقة لرجل لم يمنحه يومًا نظرة ثقة؟


قال أخيرًا، بصوت خرج مبحوحًا من مكان غير مكانه:

«أنا…؟! يا باشا أنا ما بمدّش إيدي، ولا أعرف أعمل حاجة زي دي… ده شغلي وسمعتي!»


ضحك أحد الموجودين — ضحكة قصيرة جارحة — ثم قال:

«ما هو كلهم بيقولوا كده قبل ما يتكشفوا.»


تلك الجملة ظلت محفورة في جدار رأسه، كلما حاول أن ينام.


ثم حدث شيء لم يفهمه سليم إلى اليوم:

المدير لم يعرض عليه أي دليل.

لم يُظهر تقريرًا، أو لوج دخول، أو حركة نظام.

اكتفى بملف مغلق على مكتبه، لم يفتحه، فقط ظلّ يضع يده فوقه كما يضع القاضي يده فوق حكم جاهز.


خرج سليم يومها من المكتب دون أن يرى ورقة واحدة، دون أن يسمع حتى رقم المعاملة التي اتهموه بها.

كأنهم كانوا ينتظرون هذه اللحظة فقط…

كأن الاتهام لم يكن نتيجة، بل كان نيّة.


عاد إلى الحاضر فجأة، حين اهتزت أيقونة صغيرة في زاوية الشاشة القديمة أمامه.

ومع الاهتزاز، ارتجف قلبه كأن ضربة يدٍ سقطت عليه من ذِكرى.


لماذا يتذكر كل شيء الآن؟

لماذا يظهر الألم كأنه كان مختبئًا في الهواء؟

ولماذا يشعر، وهو ينظر إلى تلك الصلاحيات المفتوحة، أن يوم الاتهام كان فيه شيء ناقص… شيء لم يفهمه بعد؟


مسح سليم عرقًا ظهر فوق جبينه، رغم برودة الليل.

كان هناك سؤال يتضخم في صدره، يعلو فوق كل غضب وكل مظلومية:


هل كان الاتهام كذبة… أم كان فخًا؟

وهل تركوا حسابه مفتوحًا… سهوًا؟

أم قصدًا؟


وبينما السؤال يتكوّر في داخله ككتلة نار، تذكّر لحظة أخيرة غريبة وقعت يوم فصله…


لحظة لم يروها أحد… ولم يفهمها هو نفسه.


ولم يدرك أن تلك اللحظة — بالذات — ستكون المفتاح الذي يقود إلى النهاية التي لم يفكر بها أحد.


  "الإغواء الأخطر"


لم يتحرك سليم من مكانه.

ظلّ جالسًا أمام الشاشة كما يجلس رجل على طرف مقصلة، يعرف أن حركة بسيطة قد تُنزل النصل على عنقه… أو تُبعده عنه إلى الأبد.


المعاملة البنكية كانت تتوهّج على الشاشة ببرودة لا ترحم.

سطرٌ يتحرك… أرقام… عنوان بنك… حساب مستفيد…

كل شيء واضح، ومكشوف، وقريب من يده قربًا خطيرًا.


كانت ضغطة زر واحدة يمكن أن تغيّر مصير المال.

والأدهى… أنها لم تكن ضغطة في الظلام، بل ضغطة يراها هو وحده؛

لا شهود، لا كاميرات، لا أثر إلا في ذاكرته.


مدّ يده نحو الفأرة، ثم أعادها فورًا، كأن شرارة لسعت جلده.


«إنت بتعمل إيه…؟»

قالها بصوت منخفض، لكنه لم يكن يسأل الشاشة. كان يسأل نفسه.


                                                                       💮💮💮



غاص ضوء النافذة قليلاً، والليل ازداد ثِقَلًا.

وظلّ في داخله صوت يتنمّر، يعلو كلما حاول أن يخمده:


«هما رمّوك في الشارع، ورّموك بسمعة مش بتاعتك…

سيبك من الطيبة… الطيبة هي اللي كسّرتك.»


وكان في الصوت قسوةٌ لم يسمعها منذ زمن، قسوة تخرج من مكان في داخله يشبه غرفة قديمة لا يدخلها أحد.


لكن في ركن آخر من روحه — ركن أضعف، لكنه ما زال حيًّا — كان هناك صوت يرتجف:


«يا سليم… لو عملتها، هتبقى زيّهم…

وظلمك مش هيتصلّح بظلم غيرك.»


أغمض عينيه لحظة، كأن العتمة الداخلية أوضح من عتمة الغرفة.


ثم فتحهما… على الوميض.


أيقونة صغيرة في الزاوية السفلية للشاشة بدأت تومض…

وميض متكرر، كأنه نبض قلب في سباق.


لم يكن وميض النظام العادي.

كان رمزًا غريبًا: دائرة صغيرة، داخلها خطّ أحمر قصير… خطّ لم يره حين كان يعمل في الشركة.


انقبض صدره.


ضغط عليها… بتردّد.

فانفتح ملف، يحمل اسمًا مقتضبًا:

“Session Log – Restricted”

(سجل الجلسات — مقيّد)


كيف يظهر له كمستخدم؟

هو يعلم جيدًا أن هذا النوع من السجلات لا يراه إلا أعلى مستوى إداري… أو شخص تمت ترقيته ولم يُعلن عنه.


فتح الملف…

وانكمش قلبه كما ينكمش الجلد أمام النار.


ظهر اسمه.

ظهر تاريخ دخوله…

لكن الغريب ليس ذلك.


الغريب… أن هناك جلسة دخول باسمه، قبل شهرين من فصله… في وقتٍ كان فيه في المستشفى مع أمه المريضة.


لم يدخل هو ذلك اليوم.

لم يلمس الجهاز أصلًا.


ظهر أمامه السطر كما لو كان صفعة من ماضٍ لم يفهمه:


User: S.Saleem — Login Time: 3:21 AM — Privilege Level: Full Access

مستخدم: س. سليم — وقت الدخول 3:21 صباحًا — صلاحيات كاملة.


الساعة الثالثة فجرًا…

اليوم ذاته الذي اتهموه فيه بالتلاعب بالمعاملات.


الرعب دبّ في أطرافه، لا كخوف من عقوبة… بل خوف من الحقيقة.


«ده مش أنا…

مش يومها…

مش يومها…!»


قالها بصوت مكسور، كأن الكلمات نفسها تحاول أن تهرب من حلقه.




                                                                        💮💮💮


ثم عاد نظره إلى المعاملة البنكية التي تقترب من نقطة التحويل.

حينها، أدرك أن المسألة ليست مجرد فرصة انتقام.

هناك يدٌ أخرى…

يد كانت في النظام قبله…

يد أتقنت انتحال اسمه…

يد ربما تركت الحساب مفتوحًا عامدة، كأنها تدعوه ليمد يده إلى الفخ بنفسه.


والسؤال الذي نهش صدره لم يكن عن المال…

ولا عن الظلم…


بل عن شيء أخطر:


هل كانوا يريدون التخلص منه…

أم كانوا يريدون استبداله؟

أم كانوا ينتظرون منه أن يقع في الخطأ الذي لم يرتكبه؟


كان يعرف شيئًا واحدًا فقط:

أن هناك من كان يلعب باسمه من قبل…

وربما… يلعب به الآن.


وبينما المعاملة البنكية تستعد للعبور الأخير…

وبينما الظلام في الغرفة يتحرك كظل له شكل…

شعر سليم أنه لم يعد مجرد رجل يبحث عن حقه.


لقد أصبح رجلًا… يبحث عن الحقيقة.


وما كان ينتظره على الجانب الآخر من تلك الحقيقة، لم يكن خيرًا… ولا شرًا…

بل شيئًا ثالثًا… أكثر غموضًا، وأكثر خطورة.




✨ المشهد الرابع — "سقوط القناع"


كان الصمت في الغرفة كثيفًا، كأنه مادة يمكن لمسها.

وسليم ما زال أحدق في سجل الدخول، في تلك السطور التي تحمل اسمه دون أن تحمل يده.


شعر لحظتها بشيء يشبه الخيانة…

ليس خيانة الشركة له، بل خيانة قريبة، لاصقة بالضمير، قادرة على كسر الرجل أكثر مما كسره الاتهام ذاته.


«مين اللي دخل باسمي؟

وليه؟»


قالها لنفسه وهو ينهض من على الكرسي بخطوة مضطربة.

مشَى نحو النافذة، فتحها قليلًا، فتسلّل هواء بارد، لكنه لم يخفف حرّ صدره.

كان الليل خارج الشرفة أكثر هدوءًا من داخله… وهذا وحده كان مخيفًا.


عاد إلى الشاشة.

فتح السجل مرة أخرى، مرّر عينه على الأسطر…

وفجأة لاحظ شيئًا لم ينتبه إليه قبلًا:


هناك جلسة دخول أخرى

بالصلاحيات الكاملة…

تمّت بعد فصله بأسبوعين.


جلس.

ثم اقترب من الشاشة كأن الكلمات تهرب منه.


User: S.Saleem — Login Time: 11:09 PM — Full Access

تاريخ الجلسة كان بعد رحيله بزمن لا يسمح بأي احتمال لسوء الفهم.


ارتجفت يده.


لم يكن وحده الضحية.

كان هناك من يستخدم صورته… وكأن وجوده لم يكن وظيفة، بل كان غطاءً.



                                                         💮💮💮        


فجأة…

ظهر إشعار داخل النظام—ليس من البنك، ولا من المعاملات—بل من لوحة الإدارة العليا نفسها، تلك التي لا يظهر إشعارها إلا لمن يملك السيطرة الكاملة:


“Admin Override Detected”

تمّ رصد تجاوز إداري.


تجمّد سليم.


العبارة لمعَت على الشاشة كأن أحدًا في الظلام يفتح مصباحًا صغيرًا في وجهه.


ضغط عليها.


فانفتحت صفحة سوداء، تخلو من الواجهة التقليدية…

شريط واحد في الأعلى، وسطر واحد في الأسفل انتظارًا للأوامر.


لم يفهم.

هو لم يبرمج هذه الصفحة قط.

ولم يرها خلال سنوات عمله.


وبينما يحاول استيعاب ما يرى…

بدأ السطر العلوي يكتب من تلقاء نفسه:


“Session Active: Unknown User”

جلسة نشطة: مستخدم غير معروف.


تقلّصت بشرة ذراعيه كمن لامسته ريحٌ جاءت من مكانٍ لا يُرى.


في اللحظة ذاتها، بدأ مؤشر الماوس يتحرك بدون أن يلمسه.

تحرك ببطء، ببرود…

ثم فتح ملفًا أخفى اسمه النظام لحظة واحدة… قبل أن يظهر:


“HR — Dismissal Report – S. Saleem”

(تقرير الفصل — س. سليم)


ابتلع سليم ريقه.

فتح الملف.


كانت الصفحة الأولى عبارة عن سطور تقرير جاف، موقَّع، يحمل اتهامات باهتة…

لكن الصفحة الثانية…

كانت هي الصفعة التي لم يكن مستعدًا لها.


صورة شاشة (Screenshot) من يوم الاتهام.

شاشة تظهر المعاملة البنكية موضع الاتهام…

وبجوارها نافذة صغيرة تحمل عنوانًا لا يُرى إلا لمن كان يقف خلفه ذلك اليوم:


“Remote Session — Supervisor Mode”

جلسة تحكّم عن بعد — وضع المراقب.


في الصورة ظهر سهم الفأرة…

لكن لم يكن على جهاز سليم.


كان على جهاز آخر…

جهاز كان يتحكم في شاشته من الخلف…


ويكتب التحويلات…

ويغلق النوافذ…

ويترك أثرًا باسمه.


في زاوية الصورة… لمعَ اسم المستخدم الحقيقي:


“Admin2 — A. K…”


لم يكمل الاسم.

لم يحتج أن يكمله.

فالحروف التي ظهرت كانت كافية لأن تفتح في صدره بابًا إلى الحقيقة.


اسم الموظف الذي كان يعمل معه، الشخص الذي طالما بدا مبتسمًا، بارد الأعصاب، لا يرفع عينه عن الشاشة…

الذي كان يدخل قبله ويخرج بعده…

والذي لم يكن أحد يعرف صلاحياته الحقيقية.


سقط شيء داخله.

ليس سقوطًا صاخبًا…

بل سقوط يشبه تهشم روحٍ على أرض صمّاء.


💮💮💮



والآن، لم تعد المعاملة البنكية مجرد فرصة انتقام.

لم تعد مجرد ضغطة زر.


لقد صارت شظية من لعبة أكبر منه…

وعرف أخيرًا أن الشركة لم تتهمه عبثًا…

بل كانوا يسعون لإخفاء شيء…

شيء قام به أحدهم على حسابه…

شيء أرادوا دفنه معه.


ومن بعيد…

من أعماق النظام…

ظهر إشعار جديد، بلون أحمر كالدم:


“User: Admin2 is now online.”

المستخدم: المشرف ٢ متصل الآن.


وتحتها مباشرة:


“Do not close this session.”

لا تقم بإغلاق الجلسة.


تراجع سليم في كرسيه، وشعر كأن أحدًا يمد يده من داخل الشاشة.

لم يكن يعرف ماذا ينتظره…

لكن ما يعرفه جيدًا هو أن القناع… سقط.

ولم يعد في الحكاية إلا وجه الحقيقة العارية.



وهكذا ينتهي الجزء الأول من القصة، حيث تتشابك الخيوط بين الحقيقة والزيف، ويظل السؤال معلّقًا: كيف يكون المخرج من هذه الورطة؟

إقرأ الجزء الثاني من القصة على موقعنا السراد، حيث تتكشف الأسرار وتتصاعد الأحداث في مواجهة لا مفر منها.

قلبٌ يغنّي، قلبٌ يجيب

 قلبٌ يغنّي، قلبٌ يجيب

نوفيلا قصيرة بقلم جمال عسكر

 قلبٌ يغنّي، قلبٌ يجيب




مقدمة:

تأتي نوفيلا «قلب يغنّي، قلب يجيب» لتقدّم قصة إنسانية عميقة عن صراع شهرة، وضغط نفسي، وعلاقة معقّدة تجمع بين نجمين عالميين يواجهان الوحدة خلف الأضواء. تتناول الرواية القصيرة الجانب الخفي من حياة الفنانين، وكيف يقودهم النجاح أحياناً إلى الفراغ والخوف قبل أن يقودهم إلى الشفاء والحب.

كتبتُ هذه النوفيلا بدافع الرغبة في كشف الحقيقة البشرية وراء الشهرة: ماذا يحدث عندما يسقط القناع؟ كيف يبدو الصوت حين يخرج من قلب متعب؟ وكيف تتحوّل المواجهة إلى علاقة تعيد تشكيل المعنى؟

هذه القصة مزيج من الدراما والرومانسية والموسيقى، وتناسب القرّاء الباحثين عن الأعمال القصيرة المؤثرة التي تركز على المشاعر، والبحث عن الذات، والعلاقات العميقة.


حين يتهجّى الصمتُ أسماءنا

لم يكن مارك ريفرز واقفاً على قمة العالم، بل على قمة ضوءٍ يلمعُ حتى يبدو كالعتمة. كانت ناطحات نيويورك تمتد أمامه كأوتار آلة موسيقية عملاقة، لكن لا نغمة تخرج منها لتواسيه. خمسة مليارات دولار حصدتها جولاته، آلاف الحناجر تصرخ باسمه، ملايين الأضواء تحاصر صورته… ومع ذلك، كان يشعر أنه آخر العابرين في ممرّ طويل من الصمت.

منذ رحيل أمّه، صار النجاحُ يلمع مثل سكين، يجرحه كلما اقترب منه. كان يغنّي كي يهرب من نفسه، فيعود بعد كل حفلة منهكاً كأنّه خاض حرباً خاسرة مع قلبه.

وفي الطرف الآخر من العالم، في شقة صغيرة فوق مقهى ببرشلونة، كانت إيلينا سولار تُنصت إلى المطر وهو يطرق نافذتها كأنه قارئ صبور ينتظر أغنيتها التالية. لم تكن تُحصي الأموال ولا عدد التذاكر، كانت تُحصي فقط نبض الكلمات. أربعة مليارات ونصف جنتها جولاتها، لكنها كانت تقول: "النجاح الذي لا يُشبه روحي… خسارة."

كانت تخاف شيئاً لا تقوله لأحد: أن يأتي يوم تغنّي فيه… فلا يرتجف قلب واحد.


انكسار الضوء على وجهين

في حفل الجوائز العالمية، كان الضوءُ سيد المكان. يتزاحم فوق الوجوه، يلمع على الفساتين والبدلات، ويجري على الأرض كأنّه ماء.

دخل مارك أولاً، يمشي بثقة تتقشر عند الحواف، كطلاء فوق معدن بارد. ثم ظهرت إيلينا، بفستانٍ أحمر يشبه صرخة دافئة وسط صقيع القاعة.

حين أعلنوا فوز مارك بجائزة أعلى إيرادات، وقف بين تصفيق يشبه عاصفة من الريح المعدنية. لمّح نظرة إيلينا، نظرة لم تكن تكرهه… بل تكشفه.

وحين صعدت إيلينا لتستلم جائزة أفضل كلمات، شعر مارك بوخزة غريبة، كأن الكلمات التي كتبتها كانت تخاطبه شخصياً.

التقيا في الرواق الخلفي.

قالت بصوت كمن يرمي حجراً في ماء راكد: "مبروك على الأرقام. العظمة أيضاً قد تكون جدولَ حساب."

قال بهدوء مستفَز: "ومبروك على الكلمات. بعضها جميل… لكنه تائه."

لم تكن لحظة عداء. كانت لحظة اعتراف غير معلن بأن كليهما رأى الآخر عارياً من وهج الشهرة.


حين تتكلّم الجراح نيابة عنا

بدأت الحرب ببطء، ثم اتّسعت كدائرة ماء بعد حجر. تصريحات مبطنة، مقابلات لامعة، تلميحات لا تخطئ الهدف.

لكن الحقيقة كانت أن المعركة لم تكن بينهما… بل داخلهما.

مارك كان يحمل على كتفيه ثقل موت أمه، التي لم تره يلمع كما أراد. وكان يشعر أن كل نجاحٍ هو اعتذار متأخر لن يصل إليها.

أما إيلينا، فكانت تخشى الصمت. تخشى أن تفقد صوتها، أو أن تُنصت يوماً لذاتها فلا تجد شيئاً يستحق الغناء.

كانت المعركة بينهما مجرد مرآة… تعكس ما أرادا الهرب منه.


حين يذوب الجليد في حنجرة الأغنية

اضطر الاثنان للتعاون في أغنية خيرية. دخل كل منهما الاستوديو متوتراً، كمن يدخل طقساً مقدساً وهو يحمل خطيئة.

قال المنتج: "أرجوكم… دعوا الموسيقى تعمل."

ثم حدث ما يشبه المعجزة.

حين بدأ مارك الغناء، شعرت إيلينا بأن صوته يحمل وجعاً يشبه حجراً يسقط في بئر قديمة. كان صوته رزیناً، مُثقلاً بما لم يقله.

وحين غنّت إيلينا، شعر مارك بأن صوتها يشقّ صدره كما يفعل الضوء وهو يتسلل إلى غرفة أُغلقت طويلاً.

لم يتبادلا كلمة… لكن شيئاً انكسر في جدارٍ كان يفصل بينهما.


ما يقوله الليل حين نبوح له

بعد التسجيل، بقيا في الاستوديو كأنهما يخافان مغادرة تلك اللحظة.

قالت إيلينا: "هل كل هذا الألم… لك؟"

تنفّس مارك بعمق، كمن يسحب ذاكرة كاملة إلى صدره.

"أمي… رحلت قبل أن تصفق لي مرة واحدة. لم ترَ أي شيء حلمت أن أقدّمه لها."

جلست قربه، وقالت بصوت يشبه لمسة: "وأنا… أخاف أن أصير مجرد صدى. أخاف أن أفقد نفسي قبل أن أفقد صوتي."

في تلك اللحظة، شعر كلاهما بأن الفن ليس خشبة مسرح… بل طاولة اعتراف.


سقوط الضوء على الأرض

انهار مارك في حفل بطوكيو. سقط كمن يسقط من سماء لا تسعه.

انتشرت الأخبار كالنار، وبدأت عناوين الصحف تصرخ. لكنها لم تَهُم إيلينا. كانت في باريس حين سمعت، فتركت فستان الحفل على الأرض، وركضت نحو المطار.

حين دخلت غرفته، كان شاحباً، لكنه ابتسم ساخطاً: "فزتِ أخيراً… أنا محطم."

قالت: "لا… أنا خائفة."

فهزّ رأسه، وعرف أن شيئاً أكبر من العداء وُلد.


حدائق صغيرة تنبت في الصمت

أمضت أسبوعاً بقربه. تحدّثا عن الطفولة، عن الذنوب الصغيرة، عن لماذا يخافان من الضوء، ولماذا يعشقانه أيضاً.

كانا يجلسان أحياناً بلا كلام، يسمعان أصوات المدينة من خلف الزجاج، كأن كل ضوء فيها يروي حكاية.

في إحدى الليالي قال مارك: "أشعر أن صوتك… يسمع ما لا يسمعه أحد."

أجابت: "وأشعر أن حزنك… يكتب أغنياتي من جديد."

لم يقولا إنهما يحبان بعضهما. لكن الحب كان هناك، يمشي بينهما على رؤوس أصابعه.


جولة تُشبه صلاة

عندما تعافى مارك، قررا الخروج في جولة مشتركة.

كانت الحفلات أهدأ، أبسط، أشبه بصلوات تُقال أمام جمهور كبير. كانا يغنيان كمن يمسك بيد الآخر في الظلام.

اختلفا كثيراً، وارتفعت الأصوات أحياناً، لكنه كان اختلافاً يشبه طرقاً على بابٍ يُراد له أن يُفتح.

وللمرة الأولى، تعلم مارك معنى أن يغني لأجل أحد غير الجمهور.


حين يعود الماضي كظل طويل

ظهرت صور قديمة لمارك في الصحف. صور لسنوات الضياع. انهالت التعليقات، وتكسّرت ثقته.

واجهته إيلينا والجرح يلمع في صوتها: "قلت إنك انتهيت من هذا… لماذا لم تخبرني؟"

قال وهو يختنق: "لأنني كنت أخاف أن ترَيَّني… قبل أن أفهم نفسي."

رأت دموعه، وعرفت أن الماضي ليس خيانة… بل ندبة.


صوتان… وقلبٌ واحد ينبض

في لندن، وقف مارك أمام بحر من الضوء وقال: "هذه الجولة لم تغيّر موسيقانا… بل أعادت تشكيل قلبي. والسبب… امرأة أعادتني إلى نفسي."

ثم جثا على ركبته أمام إيلينا، لا أمام الجمهور.

"هل تكونين صوتي… حين يخذلني صوتي؟"

بكت إيلينا كما تبكي أوتارٌ انقطعت ثم عادت للنبض.

قالت: "نعم… لأنك أول من سمع صمتي."

غنيا معاً أغنية وُلدت من وجعيهما… وتحولت إلى وعد.


ما يقوله الصمت حين نصدّق أنفسنا

بعد الحفل، وقفا خلف الستار، الضوء العالق على وجهيهما يشبه جناحين.

قالت إيلينا: "لم أتخيل أن الرجل الذي كرهته… سيعيد لي صوتي."

قال مارك مبتسماً: "ولم أتخيل أن المرأة التي حاربتها… ستكون وطني."

وهكذا تعلّما أنَّ الحب ليس أغنية… بل صمتٌ نسمح للآخر أن يسمعه معنا.

النهاية


خاتمة نوفيلا «قلب يغنّي، قلب يجيب» – للسراد الأدبي


بهذه النوفيلا، يقدّم جمال عسكر تجربة سردية تمزج بين الشعرية والدراما النفسية، وتكشف الجانب الإنساني الخفي خلف عالم الموسيقى والشهرة. «قلب يغنّي، قلب يجيب» ليست مجرد قصة حب، بل رحلة بحث عن الذات، وعن الصوت الداخلي الذي يواجه الخوف والوحدة والضياع قبل أن يجد صداه في الآخر.


تأتي هذه القصة ضمن سلسلة القصص الطويلة المنشورة على منصتنا السراد الأدبي، حيث يحرص الموقع على تقديم أعمال أدبية عربية معاصرة تتميز بالعمق الفني واللغة الراقية والبُعد النفسي. وتُعد هذه النوفيلا إحدى الأعمال التي تستكشف العلاقة بين الفن والإنسان، وتضع الضوء على المعارك الصامتة التي يخوضها المبدعون خلف الأضواء.


إن نشر هذا العمل على السراد الأدبي يأتي تماشياً مع رؤية المنصة في تعزيز الأدب العربي الحديث، وتقديم نصوص تتناول القضايا الإنسانية بلغة جديدة وتناول فني مختلف. وتؤكد تجربة جمال عسكر في هذه النوفيلا أهمية السرد القصصي القادر على لمس القارئ، وإعادة تعريف مفهوم القصص الطويلة في زمن الكتابة السريعة.


لمن يبحث عن نوفيلا درامية رومانسية، وعن قصة تجمع بين الموسيقى والصراع النفسي والشفاء الداخلي، فإن «قلب يغنّي، قلب يجيب» تقدّم رحلة صادقة تستحق القراءة، وتُعد إضافة قيّمة لمكتبة السراد الأدبي ولإبداع المؤلف جمال عسكر.

الدمية الأخيرة الفصل السابع والاخير: العودة إلى الصمت

    الدمية الأخيرة

رواية قصيرة / فانتازيا نفسية



الفصل السابع: العودة إلى الصمت

استيقظت في الصباح، إن جاز تسميته صباحًا، على نورٍ رماديّ يتسلل من النافذة.

البيت صامت على نحو غير مألوف؛ لا خشخشة في الجدران، لا أنين من الأرضية، لا رائحة احتراق.

كأن كل شيء عاد إلى حالته الأولى قبل أن تبدأ الحكاية — لكني كنت أعلم أن ذلك غير ممكن.

جلست على السرير أستمع إلى نفسي.

كان الصمت كثيفًا، ممتلئًا، حيًّا.

شبيهًا بما يسمعه الغريق بعد أن يغيب تحت الماء بلحظات من النجاة.

نظرت إلى الزاوية حيث كان الموقد. لم يبقَ من الطقس سوى بقعة رمادٍ صغيرة، تتوهج أحيانًا كأن تحتها جمرٌ لم ينطفئ بعد.

في قلب الرماد، شيء لامع صغير: عين زجاجية من الدمية، لم تحترق.

التقطتها، فشعرت ببرودة غريبة تسري في كفي.

وضعتها على الطاولة، وبقيت أنظر إليها طويلاً.

تذكرت كل ما حدث، لكن الذاكرة لم تعد تسلسلاً للأحداث، بل خيوطًا متداخلة من الضوء والصوت والرماد.

لم أعد أعرف إن كانت أمي هي التي عادت عبر الخشب، أم أني أنا الذي صنعها من وحدتي.

هل كانت الدمية كائنًا سحريًا أم مرآةً لجنوني؟

كل الإجابات بدت صحيحة في اللحظة ذاتها، وخاطئة بعدها مباشرة.

خرجت من الغرفة.

الممرّ طويل على غير العادة، كأن البيت تمدّد ليتنفس أخيرًا.

في الجدار آثار الشقوق القديمة، لكنها لم تعد تثير الخوف.

كانت أقرب إلى تجاعيد وجهٍ هدأ بعد بكاءٍ طويل.

وقفت أمام الباب الذي لم يُفتح منذ زمن.

كم مرة حلمت أن أفتحه ولا أجرؤ؟

الآن، بلا تفكير، وضعت يدي على المقبض.

تحرك بسهولة، كما لو أن البيت نفسه سمح لي بالخروج.

خارج البيت لم يكن هناك شارع كما كنت أعرفه.

كان المكان أرضًا عاريةً، ممتدة إلى الأفق، مغطاة بضبابٍ خفيف يشبه الغبار اللامع.

السماء بلا لون.

لكن هناك نسمة هواء باردة، ناعمة، تشبه لمسة يدٍ قديمة كنت أعرفها.

سمعت النغمة القديمة من بعيد — النغمة التي بدأت بها الحكاية، لكنها الآن هادئة، بلا حزن.

كأنها تدعو لا إلى البكاء، بل إلى الإصغاء.

كلما تقدمت خطوة، تراجعت النغمة خطوة أخرى، كأنها تقودني إلى جهةٍ لا أعرفها.

حين نظرت خلفي، كان البيت يختفي ببطء، يذوب في الضباب.

لم أشعر بالخسارة، بل بالاكتمال.

كان ذلك الفناء الرماديّ أكثر صدقًا من أي حياةٍ عرفتها.

توقفتُ عند صخرة صغيرة وجلست.

وضعت العين الزجاجية في راحتي، تأملتها.

انعكس فيها وجهي للحظة، لكن ملامحي لم تكن كما أعرفها.

كان وجهي شاحبًا، لامعًا من الداخل، كأن الضوء يسكنني لا العكس.

سمعت في رأسي صوتها الأخير، بلا نغمة هذه المرة، بلا لهجةٍ بشرية:

ــ لا تبحث عني بعد الآن. أنا في الصمت الذي بين أنفاسك. كل حبٍّ حقيقيٍّ يعود إلى الصمت في النهاية.

رفعت رأسي نحو السماء الرمادية.

لم أجد فيها شمسًا ولا سحبًا، فقط فضاء مفتوح يتنفس معي.

أغمضت عينيّ.

كان بإمكاني أن أعود إلى المدينة، إلى الناس، إلى حياةٍ عادية.

لكن شيئًا في داخلي كان قد تبدّل جذريًا؛ لم يعد العالم كما كان، ولم أعد أنا كما كنت.

ربما لم أعد إنسانًا تمامًا، وربما لم أعد دمية أيضًا.

كنت شيئًا ثالثًا — صدىً من حياةٍ انطفأت لتضيء في مكانٍ آخر.

مرت لحظة طويلة بلا زمن، قبل أن أشعر بنغمةٍ جديدة تولد داخلي.

لم تكن نغمة أمي، بل صوتي أنا.

هادئ، ثابت، يتردّد في الفراغ كهمس الخشب بعد أن ينتهي من الاحتراق.

عندها فهمت أن الخلاص لم يكن في العودة إليها، بل في أن أتعلم الصمت الذي كانت تصنعه بيديها وهي تنحت.

ذلك الصمت الذي يبدأ منه الخلق وينتهي إليه.

فتحت عينيّ.

الضباب كان ينقشع ببطء.

في البعيد، شيء يشبه الضوء ينتظرني.

قمت، ومضيت نحوه، وأنا أسمع العالم لأول مرة بلا خوف.

لم يكن العالم جديدًا.

لكنّني أنا الذي وُلد من رماد الخشب.


⬅️ [الفصل السابق](رابط الفصل السابق)



📖 [العودة إلى الفهرس الكامل](رابط صفحة الفهرس)

[الدمية الأخيرة]، قصص طويلة، أدب سردي

الدمية الأخيرة الفصل السادس: الطقس

الدمية الأخيرة

رواية قصيرة / فانتازيا نفسية



 الفصل السادس: الطقس

منذ تلك الليلة، لم أعرف أين أعيش.

لم يعد البيت بيتًا، ولا الليل ليلًا.

الخشب في الجدران صار لحمًا يتنفس، والنوافذ تفتح على فراغٍ لا نهاية له.

وحين أنظر من خلالها، أرى العالم يتكرّر بلا بشر، شوارع بلا أصوات، وأشجار بلا ظلّ.

كنت أمشي داخل البيت كما لو أني أمشي في حلمٍ قديم، لكنه لم يعد حلمي وحدي.

كانت الدمية تتبعني بخطواتٍ لا تُسمع، كظلٍّ يسبق صاحبه.

وعندما أستدير، أجدها أقرب مما كانت عليه قبل لحظة.

في إحدى الزوايا رأيت المرآة الأخيرة التي لم تتحطم بعد.

انعكاسي فيها بدا متشققًا كوجه تمثال مهجور.

ولوهلة، رأيت أمي خلفي في المرآة، تضع يدها على كتفي.

قالت بصوتٍ هادئ، كأنها تعلّم طفلًا الصلاة الأولى:

ــ الآن يبدأ الطقس يا يوسف. لقد اكتمل الخشب، وبقيت النار.

كنت أرتجف.

سألتها:

ــ أي طقس؟

قالت:

ــ الطقس الذي يُعيد ما انكسر بيننا. لا خلاص دون احتراق.

تقدّمتُ بخطواتٍ بطيئة نحو الموقد.

كانت النار فيه زرقاء، باردة كجليدٍ مضاء من الداخل.

حين اقتربت أكثر، سمعت من أعمقها نغمةً حزينة، النغمة نفسها التي سمعتها في الليلة الأولى بعد موتها.

النغمة التي نادتني باسمٍ لم يُنطق منذ طفولتي:

ــ “يوسو”، الاسم الذي كانت تستخدمه وهي تلاعبني في صغري.

انحنيت أمام اللهب، فرأيت انعكاس وجهها في داخله، لكن وجهها لم يكن لحمًا، بل خشبًا محروق الحواف.

قالت:

ــ لقد اختلطت دماؤنا بالزيت، والآن سيكتمل الدرس.

رفعت الدمية بين يديّ.

كانت خفيفة، كأنها لم تُصنع من مادةٍ حقيقية.

لكن في عينيها اشتعل وميض يشبه الإدراك، مزيج من الحزن والحنين.

ــ أمي، هل أنتِ في الداخل؟

ــ أنا ما تبقّى منك، وما لم يكتمل بعد فيّ.

ثم امتدّ من صدرها خيط من الضوء الأبيض، خفيف كالأنفاس.

اتجه الخيط نحوي، واخترق صدري ببطء دون ألم.

في تلك اللحظة شعرت بأن كل ما عشته من قبل لم يكن إلا مقدمة لهذه اللحظة.

كل وحدتي، كل صمتي، كل خوفي، كان تهيئة لاحتراقٍ جميل.

سمعت أصواتًا تتردّد في البيت، كجوقة بعيدة تغني بلغةٍ لم أسمعها من قبل.

البيت كله بدأ يتحرك بإيقاعٍ واحد.

الأرض تهتزّ، الجدران تتلوّى كأنها ترقص، والنوافذ تُصدر نغمة تتماوج مع النار.

كنت في قلب لحنٍ هائل لا يسمعه إلا من يقف بين الحياة والموت.

الدمية بدأت تتفتت في يديّ.

لكن كل قطعة منها صارت تضيء قبل أن تسقط.

حين لم يبقَ منها سوى الرأس، نظرت إليّ وقالت:

ــ لا تخف من النار. ليست لتأكلك، بل لتصهرك حتى تعود صوتًا كما كنت.

ثم ابتسمت، وسقط الرأس في اللهب.

لم أصرخ. لم أستطع.

كانت النار تتسع حتى غمرت الغرفة كلها، لكني لم أشعر بحرارةٍ ولا ألم.

فقط شعور بالتحرّر، كأن شيئًا في صدري انفتح بعد عمرٍ من الاختناق.

رأيت وجهي يذوب في الضوء، ورأيت أمي خارجةً منه بخطواتٍ بطيئة، تمشي فوق الأرضية المحترقة دون أن تحترق.

اقتربت مني، وضعت يدها على جبيني، وقالت بصوتٍ خافت:

ــ لقد كبرت أخيرًا.

ثم انحنت وقبّلتني.

عندها اختفى كل شيء.

لم يعد هناك بيت ولا نار ولا خشب.

كنت في مكانٍ رماديّ بلا أرض ولا سماء، فقط موسيقى مستمرة تشبه تنفّس البحر.

في ذلك الفضاء، سمعت صوتها مرة أخرى، لا من الخارج بل من داخلي:

ــ الطقس انتهى يا يوسف، لكنك لم تُخلق بعد. كل ما حدث كان ولادةً مؤجّلة.

حين فتحت عيني، وجدت نفسي في السرير، كما لو أن كل شيء كان حلمًا.

لكن رائحة الزيت والمطر كانت ما تزال عالقة في الهواء.

وفي الزاوية، بقايا رماد على شكل دمية صغيرة.

من تحت الرماد، خرجت نغمة واحدة، قصيرة، كأنها وداعٌ مكتوم.


⬅️ [الفصل السابق](رابط الفصل السابق)

➡️ [الفصل التالي](رابط الفصل التالي)

📖 [العودة إلى الفهرس الكامل](رابط صفحة الفهرس)

[الدمية الأخيرة]، قصص طويلة، أدب سردي

الدمية الأخيرة: الفصل الخامس: ما بين النوم واليقظة

   الدمية الأخيرة

رواية قصيرة / فانتازيا نفسية



الفصل الخامس: ما بين النوم واليقظة

لم يعد الزمن يسير كما اعتاد. الساعات توقفت عن الطنين، والعقارب في الساعة الحائطية تلتفّ حول نفسها كدودة مذعورة.

حتى جسدي بدأ يفقد إحساسه بالتتابع؛ أستيقظ لأجدني في المكان نفسه الذي نمت فيه، لكن الأشياء من حولي تتحرك، تتبدل مواقعها، كأن البيت يغيّر ملامحه في غيابي.

أحيانًا أظنّ أني نمتُ أيامًا، وأحيانًا أكتشف أن الليل لم ينتهِ بعد.

كل شيء صار عالقًا في منطقة رمادية، لا هي يقظة ولا حلم.

الدمية لم تعد تناديني بصوتٍ مسموع. صارت تتحدث داخلي، بنبراتٍ تشبه أفكاري الخاصة.

حين أمسك الكوب، أسمعها تقول: احذر الماء الساخن.

حين أنظر إلى المرآة، تهمس: أنت تتغير... وجهك يلين كالخشب المبلول.

كنت أحاول أن أهرب من صوتها، لكن الهروب صار بلا معنى. البيت كله بات امتدادًا لها، أو لي، لم أعد متأكدًا.

حتى الجدران بدت كأنها مصنوعة من الخشب نفسه الذي نُحتت منه.

في إحدى الليالي، بينما أجلس قرب النافذة، سمعت من الخارج وقع خطواتٍ صغيرة. لم تكن بشرية، كانت أقرب إلى خشخشة الأقدام الخشبية على الأرض.

فتحت النافذة، فوجدت الفناء مغطى بطبقة من الرماد. لا أثر لأحد، فقط الريح تحمل شيئًا يشبه الهمس.

عدت إلى الداخل، ورأيتها هناك، تجلس على الطاولة كعادتها، لكنها هذه المرة كانت تبتسم لي بصفاءٍ غريب.

لم تكن تلك ابتسامة الخداع، بل ابتسامة الوداع.

ــ يوسف، هل تعرف ما هو الفقد الحقيقي؟

ــ أن تفقد من تحب؟

ــ لا. أن تبقى في منتصف الطريق بين الفقد واللقاء. أن تعيش وأنت مخلوق من ظلّين لا من جسدٍ واحد.

اقتربت منها.

الهواء حولها كان مشبعًا برائحة الزيت والمطر، وهي الرائحة نفسها التي كانت تفوح من جسد أمي حين تعمل.

قالت:

ــ لم أكن أريد لك أن ترى ما بعد الخشب. لكنك فتحت الباب.

ــ أي باب؟

ــ الباب الذي بين النَفَس والصمت. كل عائلة تحمل بابًا كهذا، لكن قلّة فقط من تجرؤ على فتحه.

جلست قبالتها، أحاول فهم كلماتها.

العالم الخارجي بدا بعيدًا جدًا، كأن المدينة كلها اختفت. لا أصوات سيارات، لا كلاب تنبح، لا بشر.

فقط البيت، وأنا، والدمية التي تتكلم بصوت أمي، وأحيانًا بصوتي أنا.

قالت:

ــ أتذكر حين كنت صغيرًا وسألتني عن الأرواح؟ قلت لك إن بعضها يختبئ في الأشياء كي لا يُنسى.

ــ أتذكّر.

ــ كنت أنت أحد تلك الأرواح يا يوسف. مرضك في طفولتك لم يكن حمى، بل نصف موت. وقد خبّأتك هنا، في الخشب، حتى لا تأخذك الظلال.

تجمدت الدماء في عروقي. لم أفهم.

ــ أنا؟

ــ نعم. أنت كنت دميتي الأولى، ثم صرت ابني. لهذا كنت أخشى أن تتركني، لأنك لو رحلت قبل أن أرحل، لانكسر الخشب.

كانت كلماتها تُقال ببطء، كأنها تُنحت في الهواء.

كل حرفٍ منها يُحدث صدى في أضلعي. شعرتُ أنني أتنفّس بصعوبة، كأن الهواء صار أثقل من العادة.

نظرت إلى يديّ، فرأيت أنهما اكتسبتا لونًا باهتًا، كأن الخشب بدأ يتسلل إلى جلدي.

صرخت:

ــ ماذا تفعلين بي؟

ــ لا شيء، يوسف. أنا أُعيدك إلى المكان الذي أنقذتُك منه. لا تقلق، لن يكون موتًا، بل عودة.

ــ لا أريد العودة!

ــ إذن يجب أن تُكمل الدائرة بنفسك.

عندها سمعت صوت الموقد في الزاوية يشتعل من تلقاء نفسه.

اللهب لم يكن أحمر بل أزرق باهت، كأن نارًا باردة تتنفس.

ــ النار مفتاح الحياة يا يوسف، كما الخشب بابها. حين يلتقيان، تُولد الأصوات التي لا تموت.

كنت أرتجف. البيت كله بدأ يصدر أنينًا عميقًا، مثل قوقعةٍ تهتزّ في بحرٍ مظلم.

حاولت النهوض، لكن الأرض بدت لزجة، كأنها تمسك بي.

سمعت في رأسي أصواتًا كثيرة: أمي وهي تضحك، أمي وهي تغني، أمي وهي تبكي.

كلها خرجت من تلك الدمية الصغيرة الجالسة أمام النار.

رفعت رأسي نحوها، وقلت بصوتٍ خافت:

ــ ماذا تريدين مني؟

ــ أن تختار. أن تعرف أيكفيك أن تبقى حيًا دون روح، أم تذوب لتصير لحنًا؟

لم أفهم، أو ربما فهمت ولم أجرؤ على التصديق.

اقتربت منها، وضعت يدي على رأسها، فاهتزّ البيت كله.

رأيت لحظة خاطفة فيها كل وجوهنا: وجهي ووجهها ووجه أمي، كلّها تتبدّل فوق الخشب، كأنها انعكاس واحد يتنقّل بين المرايا.

ثم ساد صمتٌ مطبق.

حين فتحت عينيّ، وجدت نفسي جالسًا على الأرض، والدمية في حجري. وجهها ساكن، لكن في عينيها لمعةٌ حية.

خارج البيت لم يكن شيء.

ولا داخله أيضًا.

كأن العالم كله انكمش في هذا الخشب الذي بين يديّ، وفي النفس المتردد بيني وبينها.

لم أعد أعرف إن كنت مستيقظًا أم نائمًا.

كل ما أدركته أني أصبحت جزءًا من أنين الخشب، وأن الصمت صار يتنفس من خلالي.


⬅️ [الفصل السابق](رابط الفصل السابق)

➡️ [الفصل التالي](رابط الفصل التالي)

📖 [العودة إلى الفهرس الكامل](رابط صفحة الفهرس)

[الدمية الأخيرة]، قصص طويلة، أدب سردي


الدمية الأخيرة - الفصل الرابع: التشققات

  الدمية الأخيرة

رواية قصيرة / فانتازيا نفسية



الفصل الرابع: التشققات

لم أعد أعرف أين يبدأ الليل وأين ينتهي النهار. الضوء لم يعد يدخل البيت بالطريقة التي اعتدتُها؛ أحيانًا يتسلل من الشقوق في الجدران كما لو أنه سائل ثقيل، وأحيانًا يغيب تمامًا، تاركًا المكان يضجّ بنورٍ رماديّ يشبه ما تراه العين المغلقة من الداخل.

كنت أعيش في البيت، لكنّي بدأت أشكّ أنه لم يعد نفس البيت.

الجدران صارت تتنفس أسرع، وأسمع من قلبها أصوات تمدد وانكماش، كأنها جلد كائنٍ ضخم يتقلب في نومٍ مضطرب.

حين أمرّ بيدي على الحائط أجد تحته دفئًا نابضًا، وأحيانًا رطوبة تشبه العرق.

أما المرايا، فقد أعلنت تمردها. انعكاسي لم يعد يطيعني؛ وجهي فيها يتأخر عني لحظة، ثم يبتسم حين لا أبتسم.

لم أعد أستغرب شيئًا. بعد أن تحدّث الخشب، يصير كل شيء ممكنًا.

الدمية ما زالت في مكانها، لكنها لم تعد كما كانت قبل أيام. كل مرة أدخل الغرفة أراها في وضعٍ مختلف: مرة تنظر إلى الباب، مرة إلى النافذة، مرة إلى السقف.

وأحيانًا ــ وهذا ما يخيفني أكثر ــ أجدها تنظر إليّ مباشرة، كأنها تنتظرني منذ قرون.

كنت أحاول تجاهلها، أتناول طعامًا لا طعم له، أقرأ في الكتب القديمة لأمي التي تتحدث عن الأرواح والعجائن والصلصال المقدّس، لكنها كانت تعود إلى ذهني كل لحظة.

في الليلة الثالثة بعد “الاستيقاظ”، سمعت الأصوات ثانية، لا من الغرفة فقط، بل من البيت كله: خشخشة خفيفة في الأرض، تشققات دقيقة تمتد في الجدران كأن البيت يشيخ فجأة.

حين اقتربت من الطاولة، رأيت الدمية تميل إلى الأمام.

تحتها، على الخشب، تشققت الطبقة اللامعة، وخرج منها خيط أسود رفيع يشبه الدم اليابس.

لمستُه بأطراف أصابعي، فانتشرت في جلدي قشعريرة باردة.

قالت بصوتٍ يشبه أنين الحطب في النار:

ــ لا تخف. ما يتشقق هو الصمت.

ــ ماذا يحدث؟ ما هذا السواد؟

ــ الذاكرة حين تخرج، لا تكون بيضاء يا يوسف.

البيت ارتجّ مع كلماتها. من السقف تساقط غبارٌ ناعم كرمادٍ ساخن.

اقتربتُ منها أكثر. كانت عيناها الاثنتان مفتوحتين الآن، لا زجاجيتين كما كانتا. في القاع، وميضٌ رمادي يتحرك ببطء، كدخانٍ في قنينة.

ــ أكمِلني، قالت، وإلا سأظل نصفًا ناقصًا، وأنت نصفًا ضائعًا.

مددت يدي نحو الأدوات. أخذت السكين، بدأت أعمل في الخشب مرة أخرى. لكني لاحظت شيئًا غريبًا:

كلما أنحتُ فيها، يظهر أثرٌ مماثل في يدي. خدوش دقيقة، خطوط حمراء، كأن الجسدين اتصلا خفيًّا.

توقفت.

رفعت بصري إليها. كانت تبتسم. ابتسامة لا بشرية ولا خشبية، بل شيء بين الاثنين.

ــ أنتِ تؤذينني.

ــ بل أذكّرك بأن الخلق دائمًا يؤلم.

كانت كلماتها تسري في أذني كخيوط ساخنة. شعرتُ بالدوار. الغرفة بدأت تتنفس معي. الهواء دخل وخرج كصدرٍ واحد.

نظرت حولي، فرأيت المرايا التي على الجدار تتحطم ببطء دون صوت. كل مرآة تنكسر إلى شظايا تنعكس فيها وجوه متعددة لي، بعضها يبكي وبعضها يضحك وبعضها ينظر إلى الدمية بحنانٍ غامض.

البيت كله كان يتصدّع. سمعت من بعيد صوتًا يشبه الانهيار، لكن لا شيء سقط. الأرض نفسها بدت تئنّ.

رفعت السكين مرة أخرى. لم أكن أريد أن أكملها، لكن شيئًا في داخلي كان يقود يدي رغماً عني.

كل ضربة كانت تُحدث صوتًا موسيقيًا، كأن الخشب يعزف. أنغامٌ حزينة، لكنها منظمة.

بدأت أدرك أن هذه ليست مجرد دمية. هي موسيقى، أو ربما أنا صرت آلةً تعزف بها.

فجأة انطفأ كل صوت. السكون مطلق، كثيف كالماء.

ثم سمعت همسًا داخل رأسي، ليس من فمها، بل من أعماقي:

ــ يوسف، الخشب يكتمل حين تُجرَّح يداك. الدم والزيت هما أبوا الحياة.

رفعت يدي، رأيت عليها بقعًا دقيقة من لونٍ داكن، لا أعرف إن كان دمًا أم زيتًا.

أنفاسي كانت متقطعة، والدمية تنظر إليّ بوجهٍ اكتمل أخيرًا.

قالت:

ــ الآن تشبهني.

لم أدرِ أكانت تعني أنها تشبهني، أم أنني صرتُ أشبهها.

لكنّ البيت صمت بعد ذلك، كأن كل التشققات توقفت عن النمو مؤقتًا، تنتظر شيئًا آخر لم يحدث بعد.

في تلك الليلة لم أستطع النوم. جلست عند الباب أسمع أنين الخشب البعيد في الجدران.

كل ما كنت أراه وأنا أغمض عيني هو وجهها المكتمل، والابتسامة التي لم أستطع أن أحدد إن كانت شفقة أم فخًّا.


⬅️ [الفصل السابق](رابط الفصل السابق)

➡️ [الفصل التالي](رابط الفصل التالي)

📖 [العودة إلى الفهرس الكامل](رابط صفحة الفهرس)


[الدمية الأخيرة]، قصص طويلة، أدب سردي


محتوى "السراد" محمي بحقوق النشر ©